إِنِّي العُذَافِرُ سَمهَرِيٌّ غَطمَطُ ،، الشَّيظَمُ الشَّطَبِيُّ وَالمُستَحصِدُ
خُطِّيُّ خَلقٍ فِي القَوَافِي أَعسِلُ ،، كَرِمَاحِ سُحمٍ وَالمُذَرَّبَ أُفرَدُ
هذا تقعّر مذموم.
السيد محمد الإبراهيم..
تحية طيبة، وبعد:
لقد وصفتَ أبياتي بـ (التقعر المذموم)، وأحسبُ أن الحكم على اللفظ دون النظر إلى "المعنى المراد" هو استعجال وظلم في حق الناظم
يا سيدي، هذه الأبيات ليست محاولة لاستعراض القاموس، بل هي مرآة لواقعٍ ملموس. لو أبصرتني، لرأيت فتىً يافعاً، نحيل الجسد كأنه (السمهري)، أسمر الجلد كأنه (السحم)، بارز العروق والأوتار كأنها خيوط (الخطيّ) المفتولة.
إنَّ استخدامي لهذه الألفاظ (الغطمط، والشيظم، والمستحصد) كان ضرورةً لوصف صلابة العصب في جسدٍ لا يكسوه اللحم، وهو وصفٌ عجزت لغة "الرقّة" المعاصرة عن احتواء شدّته.
أرجو منك أن توضح لي: هل التقعر في نظرك هو (استخدام الغريب مطلقاً)، أم هو (استخدام الغريب في غير موضعه)؟ فإذا كان الثاني ، فإني لم استخدم هذه الكلمات عبثا ، لأن كُل لفظةٍ في بيتي هي "ندبة" في جسدي."
إن من شروط أن يكون الكلام بليغاً أن يكون غير غريب وغير منفر
يقول في هذا ابن الشّحنة في أرجوزة البيان والمعاني: فصاحة المفرد في سلامته من نُفرة فيه ومن غرابته.
وأنت هنا جمعت النفرة والغرابة.
الجاحظ حين قال: (إنما الأدبُ في اختيارِ اللفظِ لِيُشاكِلَ المعنى). فإذا كان مقامي مقامَ هيبة، وحالي حالَ صلابةٍ واعتداد، كيف لي برقيق القول وأنا أصفُ مِراسَ الرماح؟
إنّ غريبَ لفظي ليس تكلُّفاً، بل هو 'صدقُ الصورة'؛ فجسدي النحيلُ ليس نقصاً، بل هو 'السمهريُّ' اللدن، و'الخطيُّ' الذي إذا اهتزَّ (أعسلَ) بالموتِ الزؤام. وهنا يظهر الإمام عبد القاهر الجرجاني؛ إذ قال أن (الألفاظَ لا تَتفاضلُ من حيث هي ألفاظٌ مفردة، وإنما تتفاضلُ بملائمتِها للمعنى في سِياق النظم). فلو أنني استعملتُ لفظاً رقيقاً لوصفِ 'العذافرِ' أو 'الغطمطِ' لكان ذلك هو التقعر الحقيقي؛ لأنني حينها سأكون قد وضعتُ (ديباجةً) على (غيرِ مَوضعِها)، ولبستُ ثوباً لا يلائمُ جسدي.
إذا قلتُ (عذافر) فإني لم أقصد ضخامة اللحم، بل قصدتُ الأسد الشديد في بأسه؛ فالهيبةُ في الروحِ لا في عِظَمِ الجُثّة.
وقولي (غطمط) ليس غرقاً في الغريب، بل هو تصويرٌ لـ الموج الهائج وزخمه، فجسدي وإن دقَّ، فإنّ له في النفوسِ وقعَ الزبدِ المتلاطم
أنا لم آتِ بالوحشيِّ عن عبث ، بل جئتُ بالخشنِ لأرهب خصمي ، فالبلاغةُ هي 'مطابقة القول لمقتضى الحال'، وحالي حالُ رمحٍ دقيقِ الخصرِ، عظيمِ الأثر، مُستحصدِ الصنعة. والمزية في نَظمي هي أنني جعلتُ من "النحول" قوةً، ومن "الغرابة" هيبةً، ومن "الكلمة" سِلاحاً
يجب تسجيل الدخول أو الاشتراك للمشاركة في هذه المناقشة.