وَحَسبُكَ أَنِّي شَاغِلٌ كُلَّ عَقلِكُم وَأَنِّي مَلَأتُ الأَرضَ وَالكُلُّ شَاهِدُ
بيت مفرد جميل، وأهل النّحو يكرهون تعريف كلمة "كلّ" بأل التَّعريف؛ لأنّ الأصل فيها الإضافة.
أل التعريف لها تفصيل من زوايا ثلاث
. الزاوية اللغوية
لقد اعتمدت على قاعدة ضيقة تقول إن "كل" و"بعض" لا تدخل عليهما (أل) التعريف لأنهما معرفتان بالإضافة نيةً أو لفظاً. لكن الحقيقة أن:
سيبويه (إمام النحاة): لم يمنع ذلك منعاً باتاً، بل ذكر في كتابه ما يفهم منه الجواز في سياقات معينة.
مجمع اللغة العربية: حسم هذا الجدل قديماً (في القرن العشرين) وأجاز استخدام "الكل" و"البعض" معرفة بـ (أل). والمجمع هو المرجعية العليا التي تُحدّث القواعد لتناسب تطور اللسان العربي.
الوظيفة النحوية لـ "أل": في قولي (والكلُّ شاهدُ)، جاءت (أل) هنا لـ "الاستغراق"، أي أنها شملت كل فرد من أفراد الوجود، وهي هنا أقوى من الإضافة، لأنها جعلت "الكل" جنساً واحداً متفقاً على الشهادة له.
2. الزاوية التاريخية (شواهد من التراث)
يدعي البعض أن "الكل" لم تَرِد في كلام العرب الأوائل، وهذا غير دقيق تماماً، فقد استخدمها الفلاسفة والمناطقة والفقهاء لقرون طويلة (مثل الغزالي وابن تيمية وابن خلدون).
لقد استخدمها أئمة يُعدّون مراجع في اللغة والدين والمنطق، ومنهم:
الإمام الغزالي: استخدمها بكثرة في كتبه (مثل "إحياء علوم الدين")، كقوله: "فإن الكلَّ تحت تسخير القدرة".
الإمام ابن تيمية: وهو من أشد الناس دقة في اللغة، واستخدمها في فتاواه ومصنفاته (مثل قوله: "فإن مجموع الكلِّ هو العبد").
قاعدة نقدية: إذا جرى اللفظ على ألسنة الفصحاء والعلماء لقرون، صار جزءاً من اللغة، وليس لاحد الحق ان يحرم الشاعر ما اباحه العلماء والزمن
الزاوية النقدية (منطق مقتضى الحال)
البلاغة هي "مطابقة الكلام لمقتضى الحال". دعنا ننظر للبيت :
وَأَنِّي مَلَأتُ الأَرضَ وَالكُلُّ شَاهِدُ
إذا قلت (وكلهم شاهد): لصار الضمير "هم" يعود على أهل الأرض فقط.
أما (والكلُّ شاهد): فقد جعل الجماد، والنبات، والبشر، والزمان، والمكان (الكل المطلق) في حالة شهادة.
موسيقى البيت: كلمة "الكلّ" بـ "أل" التعريف فيها "رنين" وقوة إيقاعية تتناسب مع الفخر، بينما كلمة "وكلهم" فيها ليونة قد تكسر حدة البيت.
الاستشهاد في اللّغة يكون من كلام العرب قبل القرن الأوّل من الهجرة عند أهل الحضر وقبل المئة الثّالثة من كلام أهل البادية، لذا فالّذين تذكرهم كلامهم حجّة في الفقه والشريعة الغراء، وليس في اللّغة.
إذا كنتَ لا تقبلُ استشهادي بالفقهاء لأنهم خارج عصر الاحتجاج، فكيف استشهدتَ في ردكَ السابق ببيتِ (ابن الشّحنة) المتوفى سنة (815 هـ)؟ وابن الشحنة جاء بعد ابن تيمية والغزالي بقرون! فكيف صار كلامه (حجةً) لتقبيحِ شعري في بيت العذافر ، وصار كلام الأئمة لا يستشهد به
يبدو أنك لا تميز بين الاستشهاد بكلام العرب وبين ذكر القاعدة، ابن الشحنة جمع القاعدة في بيت دون تغيير، ولا يستشهد بكلامه في اللغة أي لا يمكن أن يؤخذ من الكلام الذي يقوله قاعدة لغوية، هذا أمر. الأمر الآخر يمكن أن نقول قال الدكتور فخر الدين قباوة ـوهو معاصرـ كذا، فنأخذ منه قاعدة، وكلامه ليس حجة في اللغة.
يا حميد. واضح جدا أنّ دفاعك كان من الذكاء الاصطناعي فإن كان كذلك فاتركه فإنه يبلّد الدماغ.
علمنا الله وإياك.
انت استدللت بابن تيمية؟ ماذا لو أتيتك بسيبويه نفسه أوردها في كتابه
يقول في الكتاب: (ولا يريد أن يُدخل السخلة في الكل) ج2 ص82
وأتى بها المبرد فقال الكل
وابن جني في الخصائص وابن هشام في المغني وغيرهم.
يُروى في كتاب لسان العرب عن أبي حاتم السجستاني قوله:
(قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: رأيت في (كتاب ابن المقفع) : (العلم كثير ولكن أخذ البعض خير من ترك الكل) . فأنكره أشد الإنكار وقال: الألف واللام لا تدخلان في بعض وكل؛ لأنهما معرفة بغير ألف ولام ...قال أبو حاتم: ولا تقول العرب الكل ولا البعض، وقد استعمله الناس حتى سيبويه والأخفش في كتبهما، لقلة علمهما بهذا النحو، فاجتنب ذلك فإنه ليس من كلام العرب وكان ابن دُرُسْتَوَيْهِ يُجوّز ذلك، فخالفه جميع نحاة عصره) "هذه الرواية لا تخلو من أي معجم"
وقال الزجاجي في كتابه الجُمَل: (وإنما قلنا البعض والكل مجازا، وعلى استعمال الجماعة له مسامحةً، وهو في الحقيقة غير جائز)
وإنما كرهوا ذلك للجمع بين الإضافة المقدرة وأداة التعريف.
والقول فيها يطول وليس مما ذكرته أنت شيء قط.
وأما الغزالي ت. 505هـ وغيره فرد عليه الحريري ت.516هـ لأنهما كانا في عصر واحد في كتاب درة الغواص في أوهام الخواص.
وحتى دعواك في أن الكل تفيد استغراق كل شيء، باطلة. وإنّي مشغول عن تبيان هذا.
ولا يُستدل بالنثر على الشعر.
أما قولهم الكل فذلك من سقط اللسان ألا ترى أنهم قد يعربون بيتا أو آية على رأي من يخالفونه سهوا؟ فما بالك بكلمة (كل)
يقول ابن هشام الأنصاري في مغني اللبيب:
(وَمن الْوَهم فِي الأول أَن يَقُول من لَا يذهب إِلَى قَول الْأَخْفَش والكوفيين فِي نَحْو {وَإِن امْرَأَة خَافت} {وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك} و {إِذا السَّمَاء انشقت} إِن الْمَرْفُوع مُبْتَدأ وَذَلِكَ خطأ لِأَنَّهُ خلاف قَول من اعْتمد عَلَيْهِم وَإِنَّمَا قَالَه سَهوا وَأما إِذا قَالَ ذَلِك الْأَخْفَش أَو الْكُوفِي فَلَا يعد ذَلِك الْإِعْرَاب خطأ لِأَن هَذَا مَذْهَب ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَلم يقولوه سَهوا عَن قَاعِدَة نعم الصَّوَاب خلاف قَوْلهم فِي أصل الْمَسْأَلَة)
فافهم كلام العلماء ولا تركن لأي مساعد آلي، وأشكر الأستاذ محمد الأبراهيم جزاه الله خيرا.
والله أعلى وأعلم
ولا أقبل منك ردّا إلا أن تأتيني بشاهد واحد يستوفي شروطَ الاستشهاد، نثرا كان أم شعرا.
ذكرت فيه (كل) أو (بعض) معرفة ب أل .
يجب تسجيل الدخول أو الاشتراك للمشاركة في هذه المناقشة.